Monday, 01 February 2010
النظامُ يَخرُجُ من عنق زجاجة لندن ويــؤگـــد : أنــا رقـــمٌ صعب..
والمعارضة تتحدث عن الغُمُوض
> تظهَرُ بملمح الإنفراجة للسلطة.. بعد تخوفات وتشكيكات أعقبت ترحيبات الساعات الأولى من إعلان عقد مؤتمر لندن تحت رعاية أمريكية وبريطانية.. وبعد أن كانت الإحتمالات تدور في اتجاه قرارات التدخل العسكري الأمريكي في البلاد، وما صاحب ذلك من رفض رسمي شديد اللهجة لحدوث مثل ذلك، وما أعقبه من بروز للتيار الديني بإيعاز سلطوي لتأكيد موقف الرفض عززه دور القبيلة المساندة لقرار السلطة آنذاك.. إلاَّ أن حملة المعطيات الدولية لم تكن لتسمح لمثل هذا القرار أن يمر أو أن يكون محل تنفيذ، وإن كانت القدرة الأمريكية والأوروبية تتجاوزُ أية ممانعة داخلية لو أريد ذلك.
ليست أمريكا في حاجة لمستنقع جديد > ولأن المأزق الأمريكي والأوروبي الأطلسي المتجسد في أفغانستان وباكستان القبائل لم تكتمل مشاهده وبعد أن قرر مؤتمر لندن حول أفغانستان تسليم زمام الأمور للأفغان أنفسهم كاعتراف غير مباشر بحالة عجز وعدم قدرة على الإستمرار في هذه الحرب، وهو ذاته الموقف المستبق للحلفاء الأطلسيين المعلنين إنسحابهم مع نهاية هذا العام والعام القادم ليعني بذلك أن إمكانية التدخل الأمريكي المباشر بقواتها في اليمن لا يبدو منطقياً أو واقعياً خاصة مع إدراك الإدارة الأمريكية لحالة الفشل التي مُنيت بها تدخلاتها في تلك البلدان وآخرها العراق.
ليس بالسهل إقرارُ التدخل المباشر
> وعلى هذا الأساس يدرك أحد أبرز نواب الحاكم أن مؤتمر لندن الذي تخوفت منه السلطة كثيراً لم يكن له أن يفرض أو يعلن منفرداً قراراً بالتدخل المباشر في الأراضي اليمنية؛ لأنه يدرك تماماً أنه بذلك سيفقد حليفاً أو شبه حليف حسب وصفه يشترك ضمن الجهد الدولي في محاربة الإرهاب، ناهيك عن أن فقدانه أو محاولة مواجهته ستعلن الإنفلات والفوضى »غير الخلاقة« والتي أثبت نظام الرئيس صالح أنه من يزال الماسك بزمام أمور البلاد دون الفلتان والإنهيار.. ويستمر في حديثه للقول: لم يكن صدفة أن يتحدث الرئيس في يوم ما أن البلاد من دونه أو بغيره سيأتي عليها الطوفان؛ لأن هذا ما أراده وأراد به أن يعلمه للعالم أجمع والجيران الأشقاء تحديداً، والذين هم أساسٌ في معادلة الحكم في اليمن منذ سبعينيات القرن الماضي، والقول الآن بأن لا مجال للحديث عن أمان واستقرار المنطقة العربية والجزيرة تحديداً ثم ضمان أمن المصالح الإقليمية والدولية دون أن يكون الرئيس صالح موجوداً.. ولعله أبلغ بذلك الكل والذي معه أدرك الكل حجمه وقيمته كزعامة لم تقعد ساكنة منذ وقت طويل، بل راحت توظفُ الكثيرَ من المعطيات والأوراق لصالح إستمرارها في الحكم والبقاء فيه بمباركة القريب والبعيد مقابل ضمانات الأمن والمصالح.
الرئيس صالح الحلقة الأقوى في المؤتمر
> ومع إدراك الإدارة الأمريكية لصعوبة تعاملها مع الرئيس صالح حسب وصف النيوريك تايمز والجاردين وغيرهما، إلاَّ أن لا مجالَ للتخطي كما حدث في باكستان على سبيل المثال، فالسلطة إستطاعت توظيف ورقتي الإرهاب العالمي وفشل الأمريكان في تدخلاتهم في بلدان عدة الصومال، أفغانستان، العراق، لصالحه هو، فكانت القاعدة الورقة المزدوجة للتعامل مع الجيران والداخل ومع العالم في آن واحد، بقدر تخوف المملكة العربية السعودية ودول الخليج عموماً، والمصالح الأمريكية والغربية، بقدر ما ارتفعت أسهم النظام وصار تقديرُه عالياً، فهو لم يعد تابعاً كما كانت تتصورُه بعضُ الدول خاصة المجاورة وهذا ما يحسب للرئيس علي عبدالله صالح، وبعد أن كانت المملكة عنصراً هاماً في تشكيل الحياة السياسية وإدارة الحكم في البلاد، أصبح الوضع اليوم مختلفاً تماماً، ولعل إتجاه الرئيس نحو تعزيز الدعم القبلي له خاصة بين قبائل بكيل تحديداً، وتركيز إهتمامه نحو الجنوب أكثر من تركيزه السابق على قبائل الشمال يعزز هذه الرؤية التي تحاول أن تجعل مساندي المملكة في السابق وعناصر تغييرها للحكم في البلاد ذات دور هامشي أو ضعيف على الأقل.
السلطة تريدُ تغييرَ صُورتها في الجوار والعالم
> ويبدو حسب هذه الشخصية أن العلاقات اليمنية السعودية وإن ظهر التحسن وطيب العلاقة بينهما إلاَّ أن الباطن يخبر عن حالة النفور واللاقبول خاصة من الأول نحو رؤية المملكة له واعتبارها حتى اليوم حديقته الخلفية المشابهة لأمريكا الجنوبية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ولعل ما برز في ندوة العلاقات اليمنية الخليجية ومداخلة الدكتور السقاف في رده على كاتب سعودي أن المملكة لم تساعد اليمن يوماً ما، وأنها إقتطعت من أراضيته وضمتها بقوة المال إلى أراضيها، كما كان حالها مع الدول المجاورة لها.. ومثل هذا الموقف الذي يرد على ما يمثل قياساً لواقع السياسة السعودية التي رأت في السلطة مع حرب صعدة طرفاً أوقعها في فخ وشرك مواجهة الحوثيين، فإنه يعبر عن الحالة السياسية السائدة في أجواء العلاقات مع دول الجوار خاصة المملكة.
الإمساكُ بخيوط كثيرة بعضها مزعج
> ولهذا فإنه ليس مستبعداً أن تكون رؤية رأس النظام للأحداث من باب أن لا طرف يمكن ضمان مساندته ووقوفه إلى جانب اليمن، فقطر التي تبنت مبادرة الدوحة للمصالحة بين السلطة والحوثيين تكاد تكون عائدة في الأيام القادمة، وإن ظهر الميل للسلطة نحو المملكة ومصر وحلفائهما في المنطقة على حساب دول أخرى كقطر وليبيا، وهو نفس الأمر مع إيران التي يرى برلماني من المؤتمر الحاكم أن صنعاء ما تزال تمسك نحوها بشعرة معاوية فلا هي قطعتها ولا هي تركتها ووصلتها، وينظر في هذا إلى رؤية ذكية للرئيس الذي يجعل من إيران إحدى أوراق اللعب السياسي الضاغطة على حلفائها والمذكرة أن هذه الدولة التي يكاد جزم السلطة بدعمها للحوثيين يكون يقيناً من الممكن أن تكون حليفاً لها ضد آخرين أبرزهم المملكة ودول الخليج، ويفصل في هذا الإطار حقيقة الموقف اليمني من إيران ليقول: إنها رديف في سياق العلاقات الدولية للمملكة، وأنها تبقى ورقة ضغط على دول الخليج للزج باليمن في إطار إتحادها أو مجلسها الذي لم يعترف بأهمية اليمن الحقيقية على خارطة السياسة الخليجية والجزيرية.. ويؤكد هنا أن الرئيس يريد أن تتغير أشياء كثيرة، أولها: أن تتغير نظرةُ العالم لليمن، فهي ليست الدولة الضعيفة أو الهينة بقيمتها الإستراتيجية والجيبوليتيكية وإن كانت دولة فقيرة فإن هناك حتميات يفرضها الواقع، ومعطيات الساحة الدولية كانتشار خطر القاعدة وأطماع التوسع الإيراني كما تفهمه هذه الدول، وخطر هذا التوسع من تغيير النظرة الأمريكية للخليج صاحب المخزون النفطي الأول في العالم، ناهيك عن حاجة النظام لإحداث تغييرات جوهرية لا بد لها أن تعزز وجود النظام القائم بعناصر ومسميات جديدة.
تحرُّكٌ من أجل إستمرار النظام
> وهو هنا لا يستبعد أن يكون التركيز على الدور القبلي في البلاد من قبل الرئيس مضاعفاً عما كان قبل، فالقبائل ما تزال الورقة الأبرز في تشكيل معادلة النظام السياسي، وإن كانت حاشد مثلت الزعامة بينها، إلاَّ أن ذلك لم يعد يخدم الرئيس، ولا الحكم في ظل التوغل السعودي بين شيوخ القبائل والذي يعد في حد ذاته إختراقاً للسيادة اليمنية، والمعنى أن بكيل ومذحج ستكون البديل القادم ولو بعد حين، وما يجري الآن في أجواء حرب صعدة التي وإن توقفت فإن آثارَها وتداعياتها لن تتوقف، بل هي التي ستبدأ بعد أية مهادنة وإتفاق بين النظام »السياسي« الطابع وتلك الحركة ممثلة بقبائل بكيلية تدرك من الآن أن لها ثأراً مع قبائل حاشد القريبة من المملكة العربية السعودية، وهذا في حد ذاته سيضعف دورها حين تشرع في نزاعات وثأرات قبلية كثيراً ما استخدمها الحاكم لإحداث حالة التوازن لضمان بقائه في السلطة، ومنع من تجاوز أية قبيلة على النظام نفسه، ويبدو الخلاف الذي حدث بين الرئيس والشيخ حسين الأحمر حول الجيش الشعبي ورفض إستيعابهم كأفراد في الجيش، واتجاه الرئيس نحو ذمار والبيضاء ورداع وما تحويه من قبائل بكيلية يجسد هذا التوجه الذي بدا الرئيس مقتنعاً به تمام القناعة أي أنه لا مجال للإستفزاز بقوة البترودولار، ولا مجال للمساومة على سيادة البلاد على نحو إقليمي ودولي، وهذا ما هو كائن في التعامل مع الولايات المتحدة وإن كانت هناك حالات للتدخل غير المباشر عبر الطائرات الأمريكية دون طيار على غرار ما يحدث في باكستان.
تجاوز لندن.. ماذا بعد؟
> والمهم هنا بالنسبة للسلطة أنها تجاوزت مرحلة حرجة تجسدت في مؤتمر لندن الذي ربما فرض ضغوطاً على السلطة لإحداث حالة من الإنفراج السياسي ومعالجة أزماتها الداخلية المتعلقة بطريقة ممارسة النظام للحكم في جوانبه السياسية تحديداً، غير أن ذلك مثل إخفاقاً للقوى المعارضة، وتحديداً اللقاء المشترك الذي كان يترقب أملاً في الضغط على الحاكم لخلق نوع من المشاركة السياسية الحقيقية.. والمعنى بغض النظر عن حجم الدعم الذي سيقدم لليمن في جانبه الإقتصادي أو حتى مشروع الصندوق الأمريكي الممول من البنتاغون على غرار الصندوق الباكستاني أو غيرها، فإن النظام يكون قد خرج من موقف حرج كان الخوف فيه من إختراق السيادة الفعلية المباشرة ليتفرغ الآن لإحداث تغييرات جديدة تكرس بالتأكيد حالة الإقصاء الفعلي للآخر كما يقول نفس البرلماني؛ لأن الهدف الحالي التسريع في خطوات تعزيز استمرارية النظام والحكم مع فتح المجال للآخرين بما فيهم المعارضة لأن يكونوا جزءاً من المعادلة لكن ليس كأطراف فاعلة ومؤثرة، فالضغط الخارجي وهو المهم لم يترك تأثيره الفعلي، والآخر ما زال متمسكاً بالنظام وسلطته الحاكمة، وما زال يرى فيها الشريك الآمن أو على الأقل المتوفر حتى الآن، ولعل رد فعل المعارضة التي وصفت توصيات مؤتمر لندن بالغامضة، والتي ستكرس الوصاية مؤشر على حالة من الفشل والإخفاق التي مُنيت بها المعارضة والتي لم تمارس أدوارها المأمولة سعياً للضغط على الخارج قبل الداخل لفرض معطيات جديدة كان مأمولاً حدوثها في هذا المؤتمر.
الإرهاب والإنهيار.. أخاف المجتمعون هناك
> وكما يؤكد فإن طغيان ملف الإرهاب واحتمالات الفوضى والإنهيار للدولة كان المحدد لمؤتمر لندن والذي على ضوئها كان من الصعب على الأمريكان وشركائهم المغامرة في اليمن بما سيزيد الأوضاع سوءاً خاصة في منطقة كانت الإدارة الأمريكية أيام بوش تنظر إلىها كمنطقة تمركز قاعدي خطر، عزز ذلك غياب العناصر الفاعلة أو تلك الأخرى المؤثرة في الساحة التي يمكن أن ينظر إليها على أنها بديل أو رديف لما هو موجود، فيما التحدي الذي ستواجهه السلطة الآن كيف أنها ستتجاوز مشاكلها وأزماتها في الجنوب المطالب الآن حسب إستطلاعات المركزي اليمني لقياس الرأي »70٪« من سكانه يطالب بالإنفصال وصعدة التي تبقى نارُها مشتعلة وإن كانت حالةُ التهدئة والإتفاق قبل مؤتمر لندن وبعده تشير إلى أنها قريبة عبر قطر أو غيرها مع الإسناد الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة ومصر والسعودية.
بعد مؤتمر لندن السعودية صاحبة القرار
> في جانب آخر تتضح معالم ما بعد مؤمر لندن لتقول في جوهر الحقيقة أن الدعم الغربي كانت ترجوه الحكومة والتي سعت للتمهيد له بجملة التقارير المصاغة مؤخراً والمقدمة لذلك المؤتمر، فيما كانت تصريحات الجانب الأمريكي وتحديداً ما أشار فيه مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة تعرف الحكومة تماماً، ولهذا فإن حسب تشخيص برلماني من الصعب اليوم الإستمرار في انتهاج سياسة عدم معرفة الآخر بتفاصيل الوضع الداخلي والعمل على أساس جهل تلك الأطراف بالشأن الداخلي، ويختصر الحديث بالقول إن مرحلة حصول السلطة على المنح والتبرعات السخية قد ولت، ويكفي التذكير أن اليمن لم تستطع التعامل سوى مع »53٪« من حجم المنح الخاصة بمؤتمر لندن للمانحين 2006م، والذي هو في الأساس مؤشر العجز الحقيقي، مضافاً إليه حجم الفساد الهائل المنبئ ببيروقراطية سيئة جداً جداً تعيشها هذه البلاد، ولهذا فإن تصريحات السفير البريطاني في اليمن أو الآخر الخاص بوزيرة الخارجية الأمريكية تؤكد أن أي دعم سيكون مشروطاً بتغييرات سياسية جوهرية حقيقية وملموسة تريد كلينتون أن تلمسها إدارتها بنفسها، ولعل جملة التداعيات الأخيرة لمؤتمر لندن الذي لم يرض المعارضة اليمنية كما يبدو.. لم يرض السلطة نفسها وإن خرجت مكابرة بالحديث عن الإنجاز.. فمؤتمر الساعتين حول اليمن بدت ملامحه لتقول: إنه ليس على مستوى ما تم الترويج له، وقد تكون التأكيدات الأمريكية والبريطانية حول خبرة السعودية وقوتها على إدارة الملف اليمني بحكم جوارها ودعمها لحكومته المتواصل حسب تلك التصريحات يجعل من سلطة صنعاء في موقف أضعف تتحكم فيه المملكة السعودية والشريك الأقوى لأمريكا تحديداً، والحديث عن محاولات النظام الضغط على المملكة، كما أشار إلى ذلك الكاتب السعودي الحايك في ندوة العلاقات اليمنية الخليجية غير مجدية الآن أو أن المملكة تكون كمن يريد أن يرد الصاع لنظام اليمن، فما سيجري قادماً ستعيش تفاصيله عن قرب، أو بالأصح مستنسخة خيوطه المملكة ذاتها.. ليبقى السؤال الكبير كيف ستتعامل السلطة مع القادم المدار من خلال المملكة العربية السعودية التي تصر الآن على إعادة اليمن تحت إبطها؟!.
|