Monday, 01 February 2010
بقلم العلامة/ إبراهيم بن محمد الوزير
> الحمدلله رب العالمين..
اللــَّــهم صَلِّ على محمد وآل محمد، وباركْ على محمد وآل محمد، وسلم على محمد وآل محمد، كما صليتَ وباركت وسلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.. وبعدُ..
إن النجاحَ في أية دعوة للتصحيح، وإصلاح أوضاع بلادنا لا يمكنُ أن يتحققَ إلاَّ بالإخلاص والرغبة الكبيرة في النجاح، وذلك يقتضي أموراً لا بُـدَّ منها، ولكن قبل أن نذكر بعضَ تلك الأمور لا بُـدَّ أن نتكلمَ أولاً عن أنسب وأصلح مظاهر وأشكال الـحُـكـْم الذي يجبُ أن يسعى إليه المصلحون في بلادنا ؛ لأن إصلاحَ الـحُـكـْم هو أهم وأقدم ما يطالبُ به المصلحون، فنقول:
إن أفضلَ أنواع الـحُـكـْم الذي وصلت إليه الإنسانية بالتجربة البشرية، والذي جاء به الدينُ الإسلامي وضيَّعَهُ المسلمون هو الـحُـكـْمُ الشوروي البعيدُ عن الفردية والإستبداد، أولاً: تنفيذاً لما جاء به الدينُ الإسلامي وذكره اللــَّــهُ عز وجل في كتابه العزيز بوصف المسلمين بقوله: (وأمرُهم شورى بينهم)، فأية طريقة للحُـكم الفردي الإستبدادي فلن تأتيَ للوطن والشعب بخير أبداً سواء أكانت من إمام يحكُمُ، أو يدَّعي أنه يحكُمُ مستمداً أحقيته في الـحُـكـْم من عند اللــَّــه عز وجل، أو من رئيس جمهورية يَدَّعي أنه يَحكُمُ باسم الثورة والـحُـرِّيَّـة والديموقراطية، وهو ضد الثورة والـحُـرِّيَّـة والديموقراطية. فالـحُـكـْمُ الفردي في كـُــلّ صوره وأشكاله، وفي كـُــلّ خطوات ظلمه مَرفوضٌ جُملةً وتفصيلاً، ورحم اللــَّــهُ أبا الأحرار محمد محمود الزبيري، حيثُ يقولُ:
والموتُ من مَدفعٍ حُـرٍّ نقولُ ل
موتٌ وإنْ أوهمونا أنه عُرْسُ
فالظلمُ ظلمٌ وإن تغيَّرت الأسماءُ والألفاظُ والأشكالُ، والإستبدادُ والـحُـكـْمُ الفردي وإن تزيَّـا بزيِّ الديموقراطية والـحُـرِّيَّـة فإن على الشعب الحُر أن يرفضَه ويطالبَ بالـحُـرِّيَّـة الصحيحة، والديموقراطية الشوروية الكاملة إن كان يريد الحياة والتقدمَ والنجاح.
إذن فالـحُـكـْمُ الفردي الإستبدادي مرفوضٌ في أي شكل أتى، وبأية صورة ظهر.
ولنعُدْ إلى أسباب النجاح لدُعاة التصحيح في بلادنا وذكر المعوقات، فمن أهم أسباب النجاح:
التفاني في الرغبة في إنجاح الفكرة التي يدعو إليها الراغب في التصحيح.
وذلك يستدعي أموراً إليك بعضَها:
أولاً: العمل المتواصل والمثابرة على الدعوة بكل الوسائل المشروعة والمتاحة إلى التصحيح، وإلى الـحُـرِّيَّـة التي لا يمكن التصحيحُ إلاَّ بها، وما دام الفردُ المستبدُ مُسيطراً على كـُــلّ الأمور والقضايا في البلد بطريقة أو بأخرى فإنه لا مجالَ للتصحيح والإصلاح.
ثانياً: التضحيةُ في سبيل تحقيق الهدف المنشود وهو تحقيق الـحُـرِّيَّـة والمساواة في الحُقوق والواجبات والعدالة، وذلك ببذل النفس والمال في سبيل إنجاح ما يسعى إليه الراغب في التصحيح، وما دام الراغب في التصحيح والإصلاح لا يبذل ماله ونفسَه في سبيل فكرته وما يدعو إليه فإن الوصول إلى النجاح مشكوكٌ فيه، لا بُـدَّ من أن يضحي الداعية بماله ونفسه في سبيل ما يدعو إليه ويرغب فيه، كما قال عز وجل: (إنفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم)، وما دامت عند الداعية رغبةٌ مُلحة في تحقيق العدالة والـحُـرِّيَّـة ووُصول المواطنين إلى حقوق الإنسان التي أتى بها الدينُ الإسلامي وذكرتها مواثيقُ المجتمع الإنساني في كثير من فترات التأريخ.
ثالثاً: الإخلاصُ للفكرة والمبادئ التي يدعو إليها الداعية ويرغب فيها، فلو جاء من يدعو ويطالب بنفس المطالب التي يدعو إليها ويرغب فيها الذي يعمل ويرغب في تحقيق تلك المبادئ والمطالب فلو جاء من يدعو ويناضل من أجل حقوق الإنسان ويسعى لذلك ويرفع صوته من أجل تحقيق تلك المطالب فإن على الداعية السابق الذي يعمل من أجل تحقيق تلك المبادئ ويرغب فيها أن يرحب بالصوت الجديد، ويتعاون معه، ويشد أزره، و يفرح بحضوره ؛ لأن إخلاصه وتفانيه في تحقيق ما يدعو إليه يجب أن يكون قد أخذ من نفسه وشعوره كـُــلّ مأخذ، وليست له رغبة إلاَّ في تحقيق ما يدعو إليه سواء أكان باسمه أو باسمه بالإشتراك مع غيره أو حتى باسم شخص آخر غيره إلا أن همه ورغبته هي في تحقيق تلك المبادئ والمطالب، وأن يراها قد تحققت على الأرض سواء باسمه أو تحت إسم أي شخص أو جهة سواه، وهذا الإخلاصُ هو الذي يؤدي إلى النجاح الذي وعد اللــَّــه به المؤمنين الصادقين، أما الذين يدعون إلى الأمور الجميلة والمبادئ الجليلة ولا يريدون أن يتحقق إلاَّ على أيديهم، فإنهم بذلك يضعون العراقيلَ أمام عملهم، ولا يمكن في الأخير أن ينجحوا أو يفوزوا ؛ لأن عملهم مشوبٌ بما لا يرضي اللــَّــه وليس فيه الإخلاص والبذل والتضحية ونكران الذات الذي هو شرط أساسي في نجاح الدعوة والعمل.
ربعاً: أن تكون وسائل الداعية العامل وسائل صحيحة وسليمة لا غش فيها ولا خداع ولا كذب ولا إجرام ولا نفاق فإن تلبَّسَ الداعية بشيء من ذلك وهو يظنُّ أن ذلك سيُوصلـُـه إلى النصر فهو وَاهمٌ ولن يجنيَ غيرَ الخسارة والفشل، وإن ظن في بعض مَرَاحل عمله ونضاله أنه قد فاز، أو أنه قابَ قوسين من النصر أو أدنى فالحقيقة أن الخير لا يتحققُ بوسائل الشر والمكر والخداع أبداً أبداً.
خامساً: الإبتعاد عن الرغبة في تحقيق المصالح الشخصية من وراء العمل وأهمها الرغبة في المال، والرغبة في الشهرة أمام الآخرين.
وقد مرَّت بنا الإشارة إلى الرغبة في الشهرة، وذلك عند الحديث عن الدعاة الذين لا يريدون أن يتحققَ الخيرُ والحق إلاَّ على أيديهم، وإلا عارضوا الخيرَ الذي يمكنُ أن يأتيَ على يد غيرهم، وتنكروا للحق الذي يدعون إليه هم فحاربوا ما كانوا يدعون إليه وتنكرون له إن أتى عن طريق غيرهم متعللين بأكثر من علة ومتوسلين بأكثر من وسيلة، ولو كانت غيرَ مشروعة.
وأما المالُ فهو الطامة الكُبرى، وكم من أناس أضاعوا فرصَهم في النجاح، ومَحَقَ اللــَّــهُ عليهم عملـَـهم، ولم يحقق لهم النجاحُ ؛ بسبب حرصهم على المصلحة الشخصية، وإيثارهم لها، ومن أهم المصالح الشخصية الحصول على المال والحرص عليه، فعن النبي الأمي -صَـلـَّـى اللــَّـهُ عَـلـَـيْه وَآلـَـهُ وَسَـلـَّـمَ- قوله: »ما ذئبان ضاريان يعملان في غنم أحدكم بأعظم ضرراً من حب الشرف والمال« الحديث بلفظه أو بمعناه..
ويُقصَدُ بالشرف الرغبة في الشهرة، ومنها الرغبةُ في تولي المناصب الدنيوية الزائفة، وبذلك يحرم الداعية نفسَه من النجاح والفوز، وتحقيق ما يدعو إليه، كما يحرم نفسَه من الأجر والثواب، ويبوء حتماً بسوء الخاتمة والعقاب.
أسأل اللــَّــهَ عز وجل حُسنَ الخاتمة، والفوزَ بالجَنة والنجاةَ من النار.
وقد وَرَدَت في كتاب اللــَّــه عز وجل صفاتٌ واضحةٌ وسليمةٌ وخطواتٌ للوصول إلى النجاح في العمل والفلاح، يقول اللــَّــهُ عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إصبروا واصابروا ورابطوا واتقوا اللــَّــه لعلكم تفلحون)، ففي هذه الآية الكثيرُ بل كـُــلُّ أسباب الفوز والنجاح.
وهي خطواتٌ أربع إذا حافظ عليها الداعية نجح وفاز بإذن اللــَّــه أولها:
إصبروا، فالصبرُ مهم، ولا بُـدَّ للداعية الراغب في التصحيح من الصبر ؛ لأن المعوقات كثيرة، والصعوبات كبيرة، والمعارضين كُثـْـرٌ، ووسائلهم ماكرة وسيئة جداً، وَلا بُـدَّ من الصبر الكبير جداً على كـُــلّ بلاء، والصبر أمام كـُــلّ عائق، وأمام كـُــلّ عقبة.
ثانياً: (واصابروا) والمصابرة مهمة جداً، فإذا كان الأمر يحتاج إلى صبر سنتين فوَطـِّنْ نفسَـكَ أيها الداعية لتحمل أربع سنوات أو أكثر، وإذا كان الأمرُ يحتاجُ إلى شيء من الجوع فوَطـِّنْ نفسَـكَ على الجوع والعطش واستعد للمصابرة أمامَهما، وهكذا يجبُ أن تصابرَ فيما تريد وتدعو إليه.
(ورابطوا): إجعلْ همَّــك هو ما تدعو إليه، ورابط في العمل من أجله، ولا تنشغلْ بسواه، فلا نجاحَ إلاَّ بالمثابرة والمرابطة.
(واتقوا اللــَّــه): وهذا يشملُ كـُــلَّ خير فلا بُـدَّ من أن تكون وسائلك أيها الداعية مشروعة، فلا غش ولا خداع ولا غدر ولا كذب ولا نفاق ولا حب للنفس، ولا مصالح شخصية تريد أن تحققها من وراء دعوتك ونشاطك، ولا مال تريد أن تكسبه من ذلك، ولا شهرة تريد أن تحققها، وإنما هو عمل وكفاحٌ وجهادٌ من أجل تحقيق العدل المجرَّد الذي يُرضي اللــَّــه، وينفعُ إخوانــَـك المؤمنين مُـلتزماً في عملك وجهادك بتقوى اللــَّــه في كـُــلّ تحركاتك من أجل تحقيق ما تدعو إليه.
فإن تمسكتَ في عملك ودعوتك بالصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى اللــَّــه فزتَ فيما تدعو إليه ونجحت في تحقيقه، وكنتَ من المفلحين (يا أيها الذين آمنوا إصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا اللــَّــهَ لعلكم تفلحون) صدق اللــَّــهُ العظيم.
وهذه الآية الكريمة وإذا كانت قد نزلت كتعاليم للمجاهدين المرابطين في سبيل اللــَّــه فإنها في عمومها تعاليمُ عظيمة صالحة لكل مَن يسعى في الخير له أو لسائر إخوانه المؤمنين، واللــَّــه الهادي إلى سواء السبيل.
وصلى اللــَّــه وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله الطاهرين.. آمين اللــَّــهم آمين.
حسبُنا اللــَّــه ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وعلى اللــَّــه توكلت.. |