|
|
|
|
|
Monday, 18 January 2010
أحمد أحمد الرازحي
> كنتُ أعمل في مزرعتي الصغيرة التي تقع على قرب من بيتنا بين أشجار القات وكان أطفال إخوتي يلعبون في طرف المزرعة، يركضون ويضحكون ويرددون أناشيد ثورية (يادنيا واليت علياً لن أرضى بسواه بديلاً وبرئت من الباطل دوماً بهتافي أحييت الجيل)، ثم يتغنون بأغنية حديثة طالما سمعوها تتردد على مسامعهم من قناة الذهبية وفق مزاج آبائهم للفنانة يارا (ياعمي هدئ أعصابك.. عليك أحساب كم دمعة على خدي من أسبابك، حكاوي ما اقدر أكشفها أنا اللي بس يعرفها) فبينما أنا أحرث الأرض مستمتعاً بأصواتهم الرقيقة ومعجباً ببراءتهم التي تردد مصطلحات لا يفهمونها فإذا بالكلب المسئول والمكلف بحراسة بيتنا يمشي من جانبي كالبرق الخاطف فقلت في نفسي: ما دهاه!، هل أعجبه صوت الطفولة كما أعجبني؟.. أسئلة تأتي إِلـَـى مخيلتي فإذا بالكلب يزيل ما أبهم عني وينبح الأطفال فإذا بالأطفال يصيحون صياحاً ممزوجاً بالضحك والخوف.. الكلب يعرفهم وهم يطعمونه ليل نهار.. هرعت إليهم وأزحت الكلب عنهم وهو لا يأبه لي ولاحظت في نظراته الرفق والمسئولية ولو استطاع أَن يتكلم لقال لي هذا ليس نباحاً هذه مسئوليتي تجاهكم؛ لأني مكلف بحراستكم ورعايتكم ثم أسرع إلى البيت نابحاً وينظر إلينا وكأنه يقول عليكم أن تتبعوني جميعاً. ففهمت أن وراءه شيئاً وازددت خوفاً وقلت في نفسي ليتني عُلمت منطق الحيوان كسليمان حتى أعلم ما في نفس كلبي الذي أقلقني. هل أصاب بيتنا حريق؟ هل تعرض بيتنا لسرقة؟، أم ماذا؟، وأمسكت أبناء إخوتي الثلاثة وأسرعت وراء الكلب ناظراً إليه فإذا دموعه تزفر من عيونه كالسيل المتدفق وتبسم لي كالأم التي تلتقي بصغيرها بعد فراق طويل. دخلت البيت أنا والأطفال فإذا بالكلب واقفاً في باب البيت رافعاً ذيله شامخاً برأسه ناظراً تارة إِلـَـى السماء وتارة أخرى إلينا، يبادلنا والسماء نظرات متناقضة نظرة الرفق والرضا وينظر إِلـَـى السماء نظرة الإستعداد لقدوم عدو يأتي من مكان بعيد من بين السحب فإذا بالطائرة السعودية تحلق في سماء بلادي وفي فضاء بيتي وتقصف قصفاً عشوائياً لا تفرق بين باحث للقمة العيش وبين من يبحث لنصيب الكعكة لا ترحم صغيراً ولا توقر كبيراً، وأنشأت أفكر في أمر هذا الكلب وأعجب لشأنه وأقول ليت شعري هل يفهم هذا الكلب معنى المسئولية والوفاء لرعيته أجل إنه يفهم معنى المسئولية حق الفهم وما كان نباحه للأطفال وإعلانه حالة الطوارئ ووقوفه خارج البيت إلا إيماناً منه بالمسئولية، وهنا علمت أننا بني البشر مستبدون لا نفقه المسئولية كما يفهمها الكلب الذي يتعرض للشمس الحارة والأمطار الغزيرة والطقس البارد والجوع القاتل الذي يتلذذ بالآمه وأسقامه في ظل وفائه بمسئوليته والأمانة المكلف بها الذي أبى الإنسان أن يحملها وحملها ذلك الكلب إنه كان ظلوماً جهولاً من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها أن يكون الكلب ذلك الحيوان الأعجم الذي شن عليه الفقهاء حرباً ظالمة بأنه نجس وهو أطهر قلباً منهم وأوسع ميدانياً في المسئولية من الحيوان الناطق فهل فضل أن يكون أعجم حتى لا يمسخه الله ويكون حاكماً أو مستبداً عربيا أو طياراً سعودياً أو مطبلاً للأثرياء أو مسلماً لا يفهم من الإسلام إلا رسمه وقتل البشر وإنساناً لا يستطيع الوفاء بمسئوليته؟، لماذا لا نتثقف بثقافة الكلاب؟ ونأخذ تلك الحقيقة الضائعة والميتة في نفوسنا نحن بني الإنسان ولو من سلوك كلب لا ثقافة الغابة وحياة الأسماك في البحر وحياة المواطن في اليمن ألا ترون كيف يتعامل الأوروبي مع الكلب بإحترام؛ لأنه عرف السر الذي وهبه الله للكلب وعرف كيف يستفيد من ذلك الكلب في الوفاء والمسئولية، لكن الملاحظ والمقروء في الثقافة العربية أننا قلدنا الأوروبيين في الإهتمام بالكلب لكونه كلباً وحاجة كمالية فقط بغض النظر عن الهدف الأسمى نرى بعض الصحفيين المشهورين حالياً المهمشين سابقاً من يملك صحيفة مستقلة تنتهج الوسطية في طرح القضايا لصحفي كان يكتب عن الفقراء والغلابة المهمشين وأزقة المنسيين المعدمين عندما كانت حياته ممتلئة بالجمال العامر والحب الثامر نراه اليو م يدلل كلباً أمريكياً ببيته ينفق عليه في الأسبوع الواحد ما يعادل راتب جندي بصعدة، لماذا نؤمن بما لا نعمل؟، أليس في الأثر (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) نلاحظ الكلب راعياً ومسؤولاً عن رعيته والإنسان قاتلاً لرعيته مستبداً ظالماً.
العصافير تغرد صباحاً والأسماك تسبح في البحار والحيوانات تحيي الغابة والشمس تبدد السحب لتضيئ للبشر والأشجار تموت لا رغبةً في أن تكون حطباً تشعله النار وتكون رماداً بل لتقدم مسئوليتها إتجاه نضج أطعمة البشر.
والجبال أوتاد للأرض والأرض أرض لمن أستخلف فيها والليل لباس والنهار معاش والقمر سراج منير صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف طائرة تمنع الطيور من التحليق في السماء وتقطع صوت الطفولة الهادئ وسماها راعية الدستور والقانون ظلماً واستبدادا منه باسم أكذوبته المسمى مسئولية وعلاجه الشافي بإذنه وأمره لمتنفذيه لو عرف الإنسان قيمة المسئولية وأدرك فلسفة الطبيعة في قيامها بمسئوليتها على أكمل وجه لانتحر وكان ذلك خيراً له من حياة التهرب والعبثية، حياة لا يرى فيها شعاع المسئولية الذي كان الغرض من خلقه أن يتحمل مسئولية الاستخلاف لا الخلاف والتناحر والصدام الدائم المسئولية ليست حقنة من صيدلية ما أو ثوباً يلبس أحياناً ويخلع. إنها مثل الله موجودة في كـُــلّ زمان ومكان لا تسقط لموت أو حياة أحد سر أودعه الله في كـُــلّ نفس فمن عاش محروماً منها عاش في ظلمة حالكة حياة الحكام المستبدين والطغاة الظالمين والإسلاميين المجرمين.
المسئولية هي الحياة وحياة بغير المسئولية أشبه ما تكون بكرة في أيدي الصبيان يتلاقفونها من جهة إلى جهة.
|
| |
| |